ابن الجوزي

207

زاد المسير في علم التفسير

هكذا أنشد البيت الفراء ، والزجاج . ورواه أبو عبيدة : " إلا مسحت أو مجلف " بالرفع . قوله تعالى : * ( فتنازعوا أمرهم بينهم ) * يعني : السحرة تناظروا فيما بينها في أمر موسى ، وتشاوروا * ( وأسروا النجوى ) * أي : أخفوا كلامهم من فرعون وقومه . وقيل : من موسى وهارون . وقيل : " أسروا " هاهنا بمعنى " أظهروا " . وفي ذلك الكلام الذي جرى بينهم ثلاثة أقوال : أحدها : إن كان هذا ساحرا ، فإنا سنغلبه ، وإن يكن من السماء كما زعمتم ، فله أمره ، قاله قتادة . والثاني : أنهم لما سمعوا كلام موسى قالوا : ما هذا بقول ساحر ، ولكن هذا كلام الرب الأعلى ، فعرفوا الحق ، ثم نظروا إلى فرعون وسلطانه ، وإلى موسى وعصاه ، فنكسوا على رؤوسهم ، وقالوا إن هذان لساحران ، قاله الضحاك ، ومقاتل . والثالث * ( قالوا إن هذان لساحران . . . ) * الآيات ، قاله السدي . واختلف القراء في قوله [ تعالى ] : * ( إن هذان لساحران ) * فقرأ أبو عمرو بن العلاء : " إن هذين " على إعمال " إن " وقال : إني لأستحيي من الله أن أقرأ " إن هذان " . وقرأ وقرأ ابن كثير : " إن " خفيفة " هذان " بتشديد النون . وقرأ عاصم في رواية حفص : " إن " خفيفة " هذان " خفيفة أيضا . وقرأ نافع ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي : " إن " بالتشديد " هاذان " بألف ونون خفيفة . فأما قراءة أبي عمرو ، فاحتجاجه في مخالفة المصحف بما روى عن عثمان وعائشة ، أن هذا من غلط الكاتب على ما حكيناه في قوله تعالى : * ( والمقيمين الصلاة ) * في سورة النساء . وأما قراءة عاصم ، فمعناها : ما هذان إلا ساحران ، كقوله تعالى : * ( وإن نظنك لمن الكاذبين ) * أي : ما نظنك إلا من الكاذبين ، وأنشدوا في ذلك : - ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما * حلت عليه عقوبة المتعمد - أي : ما قتلت إلا مسلما . قال الزجاج : ويشهد لهذه القراءة ، ما روي عن أبي بن كعب أنه قرأ " ما هذان إلا ساحران " وروي عنه ، " إن هذان " بالتخفيف ، والإجماع على أنه لم يكن أحد أعلم بالنحو من الخليل . فأما قراءة الأكثرين بتشديد " إن " وإثبات الألف في قوله : " هاذان " فروى عطاء عن ابن عباس أنه قال : هي لغة بلحارث بن كعب وقال ابن الأنباري : هي لغة لبني الحارث بن كعب ، وافقتها لغة قريش . قال الزجاج : وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب ، وهو رأس من رؤوس الرواة : أنها لغة لكنانة ، يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد ، يقولون : أتاني الزيدان ، ورأيت الزيدان ، ومررت بالزيدان ، وأنشدوا :